الشوكاني

437

فتح القدير

سورة يونس الآية ( 24 - 30 ) لما ذكر الله سبحانه ما تقدم من متاع الدنيا جاء بكلام مستأنف يضمن بيان حالها وسرعة تقضيها ، وأنها تعود بعد أن تملأ الأعين برونقها ، وتجتلب النفوس ببهجتها . وتحمل أهلها على أن يسفكوا دماء بعضهم بعضا ، ويهتكوا حرمهم حبالها وعشقا لجمالها الظاهري ، وتكالبا على التمتع بها ، وتهافتا على نيل ما تشتهي الأنفس منها بضرب من التشبيه المركب ، فقال ( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء ) إلى آخر الآية . والمعنى : أن مثلها في سرعة الذهاب والاتصاف بوصف يضاد ما كانت عليه ويباينه ، مثل ما على الأرض من أنواع النبات في زوال رونقه وذهاب بهجته وسرعة تقضيه ، بعد أن كان غضا مخضرا طريا قد تعانقت أغصانه المتمايلة ، وزهت أوراقه المتصافحة ، وتلألأت أنوار نوره ، وحاكت الزهر أنواع زهره ، وليس المشبه به هو ما دخله الكاف في قوله ( كماء أنزلناه من السماء ) بل ما يفهم من الكلام ، والباء في ( فاختلط به نبات الأرض ) للسببية : أي فاختلط بسببه نبات الأرض بأن اشتبك بعضه ببعض حتى بلغ إلى حد الكمال ، ويحتمل أن يراد أن النبات كان في أول بروزه ومبدأ حدوثه غير مهتز ولا مترعرع فإذا نزل الماء عليه اهتز وربا حتى اختلط بعض الأنواع ببعض ( مما يأكل الناس والأنعام ) من الحبوب والثمار والكلأ والتبن وأخذت الأرض زخرفها . قال في الصحاح الزخرف : الذهب ، ثم يشبه به كل مموه مزور انتهى . والمعنى : أن الأرض أخذت لونها الحسن المشابه بعضه للون الذهب ، وبعضه للون الفضة ، وبعضه للون الياقوت ، وبعضه للون الزمرذ . وأصل ازينت : تزينت أدغمت التاء في الزاي وجئ بألف الوصل لأن الحرف المدغم مقام حرفين أولهما ساكن ، والساكن لا يمكن الابتداء به . وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب " وتزينت " على الأصل . وقرأ الحسن والأعرج وأبو العالية " وأزينت " على وزن أفعلت : أي أزينت بالزينة التي عليها ، شبهها بالعروس التي تلبس الثياب الجيدة المتلونة ألوانا كثيرة . وقال عوف بن أبي جميلة : قرأ أشياخنا " وازيانت "